• حكم بيع السلعة قبل قبضها

    قال زيد لعمرو: هل ترغب في شراء عسل من نوعية معينة؟ فقال عمرو: نعم أرغب في الشراء، فقال زيد: البضاعة عند عليٍّ وسأبيعك بربح وقدره (50) درهمًا، علمًا بأن عليًا سيبيعها لي بمائة وخمسين درهمًا، فقال عمرو: قبلت بذلك، ثم تم عقد البيع ودفع عمرو لزيد مبلغًا وقدره ثلاثة آلاف درهم وبقي له ألف درهم حيث إن عمرًا سيشتري عشرين زجاجة من العسل.

    فهل في المسألة المذكورة محظور شرعي؟ حيث إن زيدًا عقد صفقة البيع قبل أن يتملك البضاعة وقبل أن يشتريها، وفي هذه الحالة لمن يكون الربح والذي مقداره ألف درهم؟ وإذا لم يصح البيع فكيف يمكن تصحيحه؟

    إن هذه الصفقة لا تجوز لأنها داخلة في بيع الطعام قبل قبضه وهذا منهي عنه ويفسد العقد، والأصل في ذلك ما أخرجه مالك والشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» وفي رواية «فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ»، قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله - يعني الطعام، ولا خلاف بين الأئمة في منع بيع الطعام قبل قبضه.

    وحكى ابن المنذر على ذلك الإجماع.

    واقتصر الإمام مالك على ذلك وأجاز بيع المبيع قبل قبضه في غير طعام المعاوضة.

    قال ابن المنذر: وهو أصح المذاهب لحديث النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفي، وبما أن زيدًا باع لعمرو عسلًا ليس عنده ولا يملكه فقد باع ما ليس عنده وهذا منهي عنه، وإن قلنا إن زيدًا باع عسل علي بيعًا فضوليًا، فإن بيع الفضولي يتوقف نفاذه على إجازة المالك الأصلي للتصرف وإلا لم ينفذ، ولم يدل دليل في السؤال على أن عليًا وهو صاحب العسل وافق على هذا البيع على افتراض أنه بيع فضولي، ولم يكن زيد وكيلًا عن عمرو ولا سمسارًا له بدليل قوله في السؤال: ثم تم عقد البيع، بينه وبين عمرو.

    ولم تدخل هذه الصفقة أيضًا في بيع المرابحة؛ لأن المرابحة هي أن يعرِّف صاحب السلعة المشتري بكم اشتراها ويأخذ منه ربحًا، إما على الجعالة مثل أن يقول: اشتريتها بعشرة وتربحني دينارًا أو دينارين، وإما على التفصيل وهو أن يقول: تربحني درهمًا لكل دينار.

    فالصورة التي معنا تختلف تمامًا عن بيع المرابحة، لأن زيدًا لم يشترِ السلعة بعد حتى يُعرِّف المشتري على ثمنها ثم يطلب منه الربح، فهذا مفقود في قضيتنا هذه.

    وإذا افترضنا أن الصفقة المذكورة في السؤال داخلة في إحدى صور بيع العِينة، وهي كما يقررها السادة المالكية: أن يطلب السلعة عنده فلا يجدها ثم يشتريها لآخر من غير أمره ويقول: قد اشتريت السلعة التي طلبتَ، فاشترها مني إن شئت.

    فيجوز أن يبيعها منه نقدًا أو نسيئة بمثل ما اشتراها به أو أقل أو أكثر.

    وهذه الصفقة المبرمة بين زيد وعمرو قد حدد فيها الربح بـ 50 درهمًا وعليه فتكون صفقة فاسدة على المذهب المالكي بل وعلى مذهب غيره، حيث إن هذه الصورة من بيع ما لا يملك، وهي باطلة عند الجميع.

    وإذا لم يصح البيع، فلا ربح فيه، ويجب إعادة السلعة لصاحبها، والمال لصاحبه كذلك.

    وإذا أريد تصحيح هذه المعاملة فيكون بإحدى الصورتين التاليتين: إما أن يأمر طالب الشراء وهو عمروٌ، زيدًا ليشتري هذه السلعة بنفسه، ويعِده أن يشتريها منه بقليل أو كثير، فيشتريها لنفسه ثم يبيعها إياه إما مرابحة بأن يقول له اشتريتها بكذا، فأربحني فيها كذا، فيرضى المشتري فيكون من بيع المرابحة.

    أو لا يذكر السعر الذي اشتراها به، ويقول: هذا العسل بكذا، فإن أحب اشترى، وإلا ترك.

    وإما أن يوكله بشراء هذا العسل، ويعده بأجرة: ألفٍ أو أقلَّ أو أكثر، أو يجعل له جعلًا إن أتى له به.

    فإذا فعل واشترى له هذا العسل استحق الأجرة على الوكالة، أو الوعد بالجُعل، وهذه حيلة شرعية لتصحيح هذه المعاملة.

    والله تعالى أعلم.

    دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي

    رقم الفتوى: 736 تاريخ النشر في الموقع : 06/12/2017

    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة