• وجوب تعلم العربية على كل مسلم

    قرأنا في أعداد سابقة من مجلتكم المنار أدلة وجوب تعلم اللغة العربية على كل مسلم، وأشرتم في بعض الأجزاء إلى أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال بذلك.

    ثم قرأنا في الجزء السابع من المجلد 17 قول عبيد الله صاحب (قوم جديد) باستغناء المسلمين عن تعلم العربية.

    فنرجو أن تنشروا قول الإمام الشافعي بذلك إلجامًا لذلك الدجال واطمئنانًا لقوم يؤمنون.[1]

    جاء في رسالة الإمام الشافعي التي هي أول رسالة كتبت في أصول الفقه برواية الربيع بن سليمان المرادي ما نصه: قال الشافعي رضي الله عنه: والقرآن يدل على أن ليس في كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، ووجد قائل هذا القول من قبل ذلك منه تقليدًا له وتركًا للمسألة له عن حجته ومسألة غيره ممن خالفه، وبالتقليد أغفل من أغفل منهم والله يغفر لنا ولهم.

    ولعل من قال: إن في القرآن غير لسان العرب، وقبل ذلك منه ذهب إلى أن من القرآن خاصًّا يجهل بعضه بعض العرب، ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي؛ ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها، حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه، والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلًا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودًا عند غيره، وهم في العلم طبقات، منهم الجامع لأكثره وإن ذهب عليه بعضه، ومنهم الجامع لأقل مما جمع غيره، وليس قليل ما ذهب من السنن على من جمع أكثرها دليلًا على أن لا يطلب علمه عند غير أهل طبقته من أهل العلم؛ بل يطلب عند نظرائه ما ذهب عليه حتى يؤتى على جميع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأبي هو وأمي، فينفرد جملة العلماء بجمعها، وهم درجات فيما وعوا منها.

    وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامتها لا يذهب منه شيء عليها، ولا يطلب عند غيرها ولا يعلمه إلا من قبله عنها، ولا يشركها فيه إلا من اتبعها في تعلمه منها، ومن قبله منها فهو من أهل لسانها، وإنما صار غيرهم من غير أهله بتركه، فإذا صار إليه صار من أهله، وعلم أكثر اللسان في أكثر العرب أعم من علم أكثر السنن في أكثر العلماء.

    فإن قال قائل: فقد نجد من العجم من ينطق بالشيء من لسان العرب؛ فلذلك يحتمل ما وصفت من تعلمه منهم، فإن لم يكن ممن تعلمه منهم فلا يوجد [من] ينطق إلا بالقليل منه، ومن نطق بقليل منه فهو تبع للعرب فيه، ولا ينكر إذا كان اللفظ قبلُ تعلمًا أو نطق به موضوعًا أن يوافق لسان العجم أو بعضها قليل من لسان العرب، كما يا تفق (قوله (يا تفق) هو مضارع بمعنى يتفق لكن لم تدغم فيه فاء الافتعال بل قلبت حرفًا لينًا من جنس الحركة قبلها وهي لغة أهل الحجاز يقولون: أيتفق، ياتفق فهو موتفق ولغة غيرهم الإدغام)[2] القليل من ألسنة العجم المتباينة في أكثر كلامها، مع تنائي ديارها واختلاف لسانها، وبعد الأواصر (الأواصر جمع آصرة وهي الرحم والقرابة)[3] بينها وبين من وافقت بعض لسانه منها.

    فإن قال قائل: ما الحجة في أن كتاب الله محض بلسان العرب لا يخلطه فيه غيره؟ فالحجة فيه كتاب الله، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]، فإن قال قائل: فإن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة، قيل: فقد يحتمل أن يكون بعث بلسان قومه خاصة، ويكون على الناس كافة أن يتعلموا لسانه أو ما أطاقوه منه، ويحتمل أن يكون بعث بألسنتهم، فإن قال قائل: فهل من دليل على أنه بعث بلسان قومه خاصة دون ألسنة العجم؟ قال الشافعي رحمه الله تعالى: فالدلالة على ذلك بينة في كتاب الله عز وجل في غير موضع؛ فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض فلا بد أن يكون بعضهم تبعًا لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع.

    وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يجوز -والله تعالى أعلم- أن يكون أهل لسانه أتباعًا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد؛ بل كل لسان تبع للسانه، وكل أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه.

    وقد بيّن الله تعالى ذلك في غير آية من كتابه.

    قال الله عز ذكره: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ[١٩٢] نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ[١٩٣] عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ[١٩٤] بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ[١٩٥]﴾ [الشعراء: 192 - 195]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: 37] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: 7]، وقال تعالى: ﴿حم[١] وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ[٢] إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[٣]﴾ [الزخرف: 1 - 3].

    قال الشافعي رحمه الله تعالى: فأقام حجته بأن كتابه عربي في كل آية ذكرناها.

    ثم أكد ذلك بأن نفى عنه عز وجل كل لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه فقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103] وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: 44].

    قال الشافعي رحمه الله تعالى: وعرفنا قدر نعمه بما خصنا به من مكانة فقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 128] الآية- وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: 2] الآية، وكان مما عرف الله تعالى نبيه عليه السلام من إنعامه عليه أن قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44]، فخص قومه بالذكر معه بكتابه وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، وقال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: 92]، وأم القرى مكة، وهي بلده وبلد قومه، فجعلهم في كتابه خاصة وأدخلهم مع المنذرين عامة، وقضى أن ينذروا بلسانهم العربي لسان قومه منهم خاصة.

    فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله تعالى وينطق بالذكر فيما افترضه عليه من التكبير وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك.

    وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان مَن ختم به نبوته وأنزل به آخر كتبه كان خيرًا له، كما عليه أن يتعلم الصلاة والذكر فيها، ويأتي البيت وما أمر بإتيانه.

    ويتوجه لما وجه له ويكون تبعًا فيما افترض عليه وندب إليه لا متبوعًا.

    قال الشافعي رحمه الله تعالى: وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيرهم لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمها انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها، فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة نصيحة للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه، أو إدراك نافلة خير لا يدعها إلا من سَفِهَ نفسه وترك موضع حظه، فكان يجمع بين النصيحة لهم قيامًا بإيضاح حق، وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين طاعةً لله.

    وطاعة الله جامعة للخير.

    قال الشافعي رحمه الله تعالى: أخبرنا سفيان بن عيينة عن زياد بن علاقة قال: سمعت جرير بن عبد الله يقول: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم.

    وأخبرنا سفيان بن عيينة عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «للهِ وَلِكِتَابِهِ، وَلِنَبيهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» اهـ، المراد منه.

    [1] المنار ج17 (1914) ص589- 592.
    [2] المنار ج17 (1914) ص590. الحاشية رقم1.
    [3] المصدر ذاته. الحاشية رقم2.

    فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا

    رقم الفتوى: 505 تاريخ النشر في الموقع : 03/12/2017

    المفتي: محمد رشيد رضا
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة