• ترك العلاج والإهمال فيه والإعراض عن الأخـذ بأسباب الشفاء

    كما تعلمون أن الطب والعلوم الطبية جلبناها وتعلمناها من الغرب بكل ما فيها من غث وسمين، وبما أن نشأة   الطب في الغرب لم تكن نابعة من تصور إيماني صحيح أو ديني على الأقل لو مسيحيًا سليمًا من التحريف، لذلك كانت هناك أشياء في عالم الطب لا بد وأن تتنافى مع ديننا الحنيف، لذلك أحببت عرض هذه القضية لتكررها يوميًا في عالم الطب، فأقول وبالله التوفيق: (هناك بعض المرضى من هم يعانون من مرض سيؤدي حتمًا في مفهوم الطب إلى أن يكون صاحبه متخلفًا عقليًا، بل قد يؤدي فيه مرضه إلى أن يعيش حياة كلها أمراض ومشاكل، وأقرب مثال هو: أمراض المخ والجهاز العصبي، وقد يكون هذا المريض في داخل الرحم حيث تدل التحاليل الطبية مثلاً أن هذا الطفل سيولد معتوهًا بصورة يكون معها أتعاب لوالديه، بالإضافة إلى ما يكون له هو في حياته. وفي الغرب هناك فكرة معترف بها، أنه من الأحسن أن لا يعالج هذا الطفل الأول، بصورة جادة تمامًا، يعني يعطى الفرصة ليموت، بعكـس لو كان طفلاً يؤدي علاجه إلى برئه تمامًا، وكذلك يجهض الطفل الثاني لينزل ميتًا، بل قد يطلب الوالدان أحيانًا هذا أو ذلك، مدعين أنهم يريدون إراحة الطفل. أقرب مثال ما حصل منذ أيام قريبة جدًّا جاء إلينا طفل عمره 7 سنوات، يعاني من تخلف عقلي شديد جدًّا، لدرجة أنه لا يمشي ولا يجلس، ورأسه مليء بالجروح من جراء الطيحات، وأصيب بمرض الزائدة الدودية، وقف الطبيب الأخصائي ليسأل:   هل يعمل له عملية جراحية أو نتركه هو ومستقبل مرضه، قلت: الأمر ليس إلي، بل راجع إلى أهل العلم والدين؛ لأن هذه قضية ليست سهلة، وأجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار، هذا وقد حصل اجتماع كبير جدًّا للأطباء والأساتذة الزائرين من أمريكا ، فقلت لهم: هذه قضية ليس لأحد الحق في الفتوى فيها، وسآتيكم بحلها إن شاء الله تعالى، إذًا فالأمر حساس وعاجل، سدد الله خطاكم وأثابكم وأبقاكم ذخرًا للإسلام والمسلمين.

    من الضروريات الخمس التي دلت نصوص الكتاب والسنة دلالة قاطعة على وجوب المحافظة عليها، وأجمعت الأمة على لزوم مراعاتها - حفظ نفس الإنسان، وهو في المرتبة الثانية بعد حفـظ الدين، سواء كانت النفس حملاً قـد نفـخ فيه الروح، أم كانت مولودة، وسواء كانت سليمة من الآفات والأعراض وما يشوهها أم كانت مصابة بشيء من ذلك، وسواء رجي شفاؤها ممـا بها أم لم يرج ذلك، حسب الأسباب العادية وما أجري من تجـارب، فـلا يجوز الاعتداء عليها بإجهاض إن كانت حملاً قد نفـخ فيه الروح، أو بإعطائها أدوية تقضي على حياتها وتجهز عليها طلبًا لراحتها أو راحة من يعولها أو تخليصًا للمجتمع من أربـاب الآفـات والعاهـات والمشوهين والعاطلين، أو غير ذلك مما يدفع بالنـاس إلى التخلص، لعمـوم قولـه تعـالى: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ﴾ [ الإسراء : 33 ]  ولما ثبت من بيان النبي صلى الله عليه وسلم وتوكيده من قوله: « لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة » [1] رواه البخـاري ومسلم ، وأن يحتسبوا في ذلك، ولا يملوا من كثرة تردد المريض ولا تضيق صدورهم من طول أمد العلاج، ولا ييأسوا من حسن العواقـب، فـإن الأمور بيد الله يصرفها كيـف يشـاء، ولا يمنعهم من ذلك استحكام الداء واستغلاق العلاج، وتوقع الموت والهلاك، فكم من مريض استعصى داؤه واستفحل أمره فوهب الله له الشفاء، وكـم من مريض شـخص داؤه وعـرف دواؤه وأمل فيه الشفاء، فواتته منيته رغم عناية معالجيه، ولا تحملنهم المهارة في الطب وكثرة تجاربهم فيـه على أن يجعلوا من ظنـونهم حسب ما لديهم من أسباب قطعـًا، وأن يجعلوا من توقعـاتهم واقعـًا، فكـم من ظنـون كذبت، ومن توقعـات أخطأت، وليعلمـوا أنَّـا وإن أُمرنـا بالأخـذ بالأسباب فالشفاء من الله وحده مسسبب الأسباب، وعلـم الآجـال إليه وحده، لا يعلمهـا إلا هو، وعلى ولـي الأمر العـام أن يهيئ وسائل العلاج من أطباء وأجهزة ومستشفيات ونحو ذلك، فالجميع راع ومسؤول عن رعيته، كل في حقله وميدانـه بقدر ما آتـاه الله من طاقة علمية، أو مادية أو عملية، كما أرشدنا إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليهم جميعًا أن يحسنوا فإن الله كتب الإحسان على كل شيء، وهو سبحانه يحب المحسنين.

    فليس لهم أن يتعلقوا في ترك العلاج والإهمال فيه والإعراض عن الأخـذ بأسباب الشفاء ، بما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع إلي سواد عظيم، فقلت: إنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثـم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: فلعلـهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسـول الله صلى الله عليه وسلم، فـأخبروه، فقـال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقـال: أنت منهم، فقـام رجل آخـر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقـال: سبقك بها عكاشة » [2] رواه البخاري ومسلم واللفـظ له، والنسـائي والترمذي. ولما بين الفريقين من الفرق البين، فإن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قد تركوا أسبابًا مادية، قد كرهها النبي صلى الله عليه وسلم، وأسبابًا معنويـة قـد يكـون في جنسها شوائب شرك إلى أسباب روحية، هي: التوكـل على الله ودعـاؤه سبحانه تضرعًا وخفيـة، وللأسباب المعنويـة مـن التأثير بـإذن الله في أنواع مـن الأمراض والبرء منها ما ليس للأسباب المادية، فهم لم يتركوا الأخذ بالأسباب مطلقًا، وإنمـا اختـاروا منها نوعًا طابت به نفوسهم، وآثروه على غيره، مع إخلاص وصدق في التوكل على الله، وصبر على البلاء، ولم يستسلموا للأمراض يائسين من الشفاء، ولم يـذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم تركوا جميع الأسباب المادية المتاحة، وقد ثبت في الحديث: « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » [3].  بخـلاف من سـئل عنـه مـن الحمـل والأطفـال ذوي الآفـات والأمـراض المستعصية، فإن أحوالهم ومقاصد من يليهم من الآباء والأمهات ونحوهم تختلف عن حال أولئك ومقاصدهم، من جهة الإعراض عن الأسباب مطلقًا - مادية ومعنوية - لليـأس من الشفاء، ومن جهة القصد إلى الراحة من المريض وإراحته لضيق الصدر من القيام عليه والسآمة من طول علاجه مع اليأس من الوصول إلى نتيجة، لا للتوكل على الله والصبر على البلاء، والأمل في الشفاء من الله سبحانه وتعالى، ولأن في وجود المتخلفين عقليًا والمعوقين وذوي الأمراض المزمنة من خير للعباد وذكرى وموعظة ودلالة على عظيم حكمة الله سبحانه وقدرته على ما يشاء، وعظم نعمته على من سلم من هذه الأمراض، فيشكره سبحانه ويلتزم طاعته. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


    1) صحيح البخاري الديات (6878) ، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1676) ، سنن الترمذي الديات (1402) ، سنن النسائي تحريم الدم (4016) ، سنن أبو داود الحدود (4352) ، سنن ابن ماجه الحدود (2534) ، مسند أحمد بن حنبل (1/382) ، سنن الدارمي الحدود (2298).
    2) صحيح البخاري الطب (5752) ، صحيح مسلم الإيمان (220) ، سنن الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (2446) ، مسند أحمد بن حنبل (1/271).
    3) صحيح البخاري بدء الوحي (1) ، صحيح مسلم الإمارة (1907) ، سنن الترمذي فضائل الجهاد (1647) ، سنن النسائي الطهارة (75) ، سنن أبو داود الطلاق (2201) ، سنن ابن ماجه الزهد (4227) ، مسند أحمد بن حنبل (1/43).

التعليقات

فتاوى ذات صلة