• لبن الفحل

    رجل يدعى خالدا تزوج من زوجتين هما نطياء وهلة، وقد أنجب خالد من زوجته هلة ابنا اسمه علي، ثم أنجب علي هذا بنتًا تدعى دلال، وتزوجت دلال هذه من رجل أجنبي يدعى ناصر وأنجب منها ولدًا وبنتا، ثم علم من طريق اليقين أن ناصرا هذا قد رضع من نطياء زوجة خالد الذي هو جد لزوجته دلال لأبيها.

    وطلب السائل بيان الحكم الشرعي في هذا الموضوع.
     

    اختلف العلماء في الرضاع هل ينشر الحرمة في جانب الرجل كما ينشرها في جانب المرأة فتحرم المرضعة على الرجل؛ لأنه أبوها، وعلى إخوته؛ لأنهم أعمامها أم لا؟ وقد اصطلح الفقهاء على تسمية هذه المسألة «التحريم بلبن الفحل» قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: «اختلف العلماء في لبن الفحل وهو الرجل يتزوج المرأة فتلد منه ولدًا وينزل لها لبن بعد ولادتها فترضع به صبيا، فإن من قال بتحريم لبن الفحل يحرم هذا الصبي على أولاد الرجل إن كانوا من غيرها، ومن لا يعتبره لا يوجب تحريما بينه وبين أولاده من غيرها».

    وفي الهداية: «ولبن الفحل يتعلق به التحريم، وهو أن ترضع المرأة صبية فتحرم هذه الصبية على زوجها وعلى آبائه وأبنائه، ويصير الزوج الذي نزل منه اللبن أبا للمرضعة».

    وأشهر من قال بأن لبن الفحل لا يحرم سعيد بن المسيب وعطاء ورافع بن خديج، وروي هذا القول عن بعض الصحابة كما روي عن أم المؤمنين السيدة عائشة -رضي الله عنها- وابن الزبير وابن عمر، فقد صح عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة أن أمه زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين أرضعتها أسماء بنت أبي بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام.

    قالت زينب: «وكان الزبير يدخل علي وأنا أمتشط فيأخذ بقرن من قرون رأسي ويقول: أقبلي علي فحدثيني، أرى أنه أبي وما ولد منه فهم إخوتي، ثم إن عبد الله بن الزبير أرسل إلي يخطب أم كلثوم ابنتي على حمزة بن الزبير وكان حمزة للكلبية فقالت لرسوله: وهل تحل له وإنما هي ابنة أخته؟ فقال عبد الله: إنما أردت بهذا المنع من قبلك، أما ما ولدت أسماء فهم إخوتك، وما كان من غيرها فليسوا لك بإخوة، فأرسلي فاسألي عن هذا، فأرسلت فسألت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فقالوا لها: إن الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئا، فأنكحها إياه، فلم تزل عنده حتى هلك عنها.

    قالوا: ولم ينكر ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، واستدلوا بأن الحرمة لشبهة البعضية، واللبن بعضها لا بعضه فلا جزئية بين الرجل وبين من أرضعته زوجته، ولأنه لو نزل للرجل لبن فارتضعته صغيرة حلت له، فكيف يحرم بلبن هو سبب بعيد فيه، ولأن الله تعالى ذكر حرمة الرضاع في جانب النساء فقال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] فلو كانت الحرمة تثبت من جانب الرجال بينها الله تعالى كما بين الحرمة بالنسب، وممن قال بالتحريم بلبن الفحل الإمام علي وابن عباس رضي الله عنهم والأئمة الأربعة: الإمام أبو حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم ودليلهم حديث الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس جاء ليستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته قال: «ليلج عليك فإنه عمك». قلت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل. قال: «ليلج عليك فإنه عمك تربت يمينك».

    وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت السيدة عائشة رضي الله عنها، وروى الزهري عن عمرو بن الشريد عن ابن عباس أنه سئل عن رجل له امرأتان أرضعت إحداهما غلاما، وأرضعت الثانية جارية هل يصح للغلام أن يتزوج الجارية؟ فقال: لا، اللقاح واحد.

    ومما تقدم يتبين أن التحريم بلبن الفحل موضع خلاف بين العلماء على النحو الذي ذكرنا، ولا مانع شرعًا من الأخذ بأحد الرأيين أي التحريم وعدم التحريم، غير أن دار الإفتاء بالجمهورية العربية المتحدة قد درجت في إفتائها على الأخذ بما اتفق عليه الأئمة الأربعة أي التحريم بلبن الفحل.

    ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال.

    المبادئ 1- يتعلق بلبن الفحل التحريم وهو أن ترضع المرأة صبية فتحرم هذه الصبية على زوجها وعلى آبائه وأبنائه، ويصير الزوج الذي نزل لها منه اللبن أبا للمرضعة.

    2- لبن الفحل يتعلق به التحريم عند الأئمة الأربعة، وهو مذهب علي وابن عباس من الصحابة، ويرى بعض الصحابة أن التحريم لا يتعلق به، لأنه خاص بالمرضعة وأقاربها فقط.

    3- السكوت في المسائل الاجتهادية ليس دليلا على الرضا.

    بتاريخ: 7/1/1965

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 248 س: 100 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: أحمد محمد عبد العال هريدي
    تواصل معنا

التعليقات