• أملاك غير المسلمين في ديار الإسلام

    ردا على كتاب السيد/ القائم بأعمال سفارة الباكستان بالقاهرة المؤرخ 16/ 5/ 1957 المقيد بالدار بالرقم 1308 سنة 1957 والذي تطلبون به بيان الحكم الشرعي فيما يأتي: أولًا: على إثر تقسيم شبه القارة الهندية هاجر ملايين من الناس من باكستان إلى الهند تاركين أملاكا لهم في باكستان، وقد أبرمت معاهدات بين الحكومتين اعترفتا فيها بملكية المهاجرين لأملاكهم التي تركوها، وعين أوصياء للمحافظة عليها.

    فهل يصح اعتبار الأملاك المتروكة في الباكستان من غير المسلمين غنيمة أو فيئا، أم تعتبر أمانة؟ ثانيًا: وإذا احتل زيد قطعة من هذه الأملاك التي تركها غير المسلمين في باكستان دون أن يدفع لها ثمنا أو يحصل على إذن من أي إنسان، وشيد عليها مبنى مؤقتًا للصلاة لم يوقفه فهل يعتبر هذا المصلى مسجدًا له ما للمساجد الأخرى من الحقوق والمزايا في نظر الشريعة الإسلامية؟ ثالثًا: متى يعتبر المبنى مسجدًا؟ وما هي الشروط التي تجب توافرها لاعتباره مسجدًا؟ وإذا احتل رجل اسمه بكر جزءً من أرض ليست ملكه وشيد عليها مبنى للصلاة دون أن يدفع ثمنا لهذه الأرض، أو يحصل على إذن شرعي لامتلاكها أو لبناء المصلى عليها، فهل يصح هذا المبنى مسجدًا؟ وهل يصح وقفه؟

    1) غير المسلمين الذين كانوا مقيمين في الباكستان قبل تقسيم شبه القارة الهندية، ثم هاجروا إلى الهند بعد قسمتها إلى دولتي الهند ودولة الباكستان تاركين في الباكستان أملاكا لهم اعترفت حكومتا الهند وباكستان بمقتضى المعاهدات التي أبرمت بينهما بملكيتهم لهذه الأملاك، وبتعيين أوصياء للمحافظة عليها، هذه الأملاك لا يجوز اعتبارها شرعًا غنيمة أو فيئا؛ وذلك لأن الغنيمة هي المال المأخوذ من غير المسلمين بالقهر والغلبة، والحرب قائمة بين المسلمين وغير المسلمين، والفيء المال الذي يؤخذ من غير المسلمين مقابل الكف عن قتالهم وبناء على طلبهم كالخراج والجزية، وواضح أن الأملاك المسؤول عنها لا ينطبق عليها شرعًا تعريف الغنيمة أو الفيء، فلا يجوز اعتبارها من أحدهما، وتبقى هذه الأملاك على ملك أصحابها، وتستغل أيضًا لمصلحتهم؛ وذلك طبقًا للأحكام الفقهية التي تطبق على أهل الذمة، وعلى المستأمنين في دار الإسلام ومنها:

    1- احترام ملكيتهم لما في أيديهم من مال ما لم ينقضوا العهد أو يحاربوا جماعة المسلمين.

    2- وبقاء عصمة مالهم الموجود في دار الإسلام بعد مغادرتهم لها وحفظها لهم حتى يعودوا.

    3- وعدم جواز الاعتداء عليها أو انتهاك حرمتها أو تملكها، ويحفظها لهم ولي أمر المسلمين حتى يعودوا، أو يستغلها لمصلحتهم ويحفظ ريعها لهم.

    وهذا كله واضح في حالة ما إذا لم تكن حكومة الباكستان قد أبرمت معاهدة مع حكومة الهند تضمن بها بقاء ملكية المهاجرين لأموالهم، وبالطبع هذه المعاهدة قد أكدت الأحكام الشرعية التي أشرنا إليها؛ ولذلك يجب اعتبار هذه الأملاك أي أملاك المهاجرين غير المسلمين الموجودة في الباكستان على ذمة أصحابها، واستغلالها لمصلحتهم، وبقاؤها أمانة هي وريعها.

    هذا عن السؤال الأول.

    2) إن الظاهر أن زيدا احتل قطعة أرض مملوكة لمهاجر غير مسلم ولم يدفع لها ثمنا ولم يحصل على إذن من ولي أمر الدولة الإسلامية أو أي شخص له شأن في إعطاء هذا الإذن، وحكم هذا التصرف منه شرعًا أنه اغتصاب لأرض مملوكة للغير ملكًا صحيحًا للأوجه التي بيناها في الإجابة عن السؤال الأول، وعليه يكون كل تصرف منه في هذه الأرض بدون إذن صاحبها تصرفا باطلا، فلا يصح له أن ينشئ عليها مبنى مؤقتًا للصلاة فيه، سواء وقفه أو لم يوقفه؛ ونظرا لأنه يفهم من السؤال أنه شيد المبنى على الأرض المغصوبة مؤقتًا للصلاة فيه بصفة مؤقتة، فإن هذا المبنى أيضًا لا يعتبر مسجدًا لإقامته في أرض مغصوبة؛ ولعدم وقفه شرعًا، ولصاحب الأرض أن ينقض المصلى، وكذلك لولي الأمر الذي يرعى هذه الأملاك أن ينقضها.

    3) إن المبنى يعتبر مسجدًا شرعًا إذا أقامه الباني في أرض مملوكة له، وأذن بالصلاة فيه وصلى الناس فيه فعلا، أو أقامه في أرض للغير بإذنه وصلى الناس فيه، وتطبيقا لهذه الشروط لا يكون المبنى الذي شيده بكر في أرض غيره من غير أن يدفع ثمنها أو يحصل على إذن صاحبها أو من يتولى إدارتها نيابة عنه في امتلاكها، ولم يحصل أيضًا على إذن شرعي ببناء المصلى عليها مسجدًا، أي لا يكون هذا المصلى مسجدًا شرعًا؛ لعدم توفر الشروط التي اشترطها الفقهاء في اعتبار المبنى مسجدًا وبيتا من بيوت الله، وإذا أراد وقفه بعد بنائه يمنع منه حتى تتوفر فيه هذه الشروط.

    والله أعلم.

    المبادئ 1- الأملاك المتروكة من غير المسلمين عند هجرتهم من بلاد الإسلام ليست فيئا أو غنيمة، وخاصة إذا أعقب ذلك معاهدة بين الدولتين (المهاجر منها والمهاجر إليها) تضمنت الاعتراف بها لهم وتعيين أوصياء لحفظها.

    2- تبقى الأملاك على ملك أصحابها، وتستغل لمصلحتهم ويحفظ ريعها لهم.

    3- استيلاء شخص على قطعة أرض دون إذن من الولي وبناؤها مسجدًا يكون ذلك غصبا، وكل تصرف له عليها يقع باطلا، ولا يعتبر المسجد مسجدًا، ولصاحب الأرض وولي الأمر نقض بنائه.

    بتاريخ: 9/6/1957

    دار الإفتاء المصرية

    رقم الفتوى: 43 س:83 تاريخ النشر في الموقع : 12/12/2017

    المفتي: حسن مأمون
    تواصل معنا

التعليقات

فتاوى ذات صلة